مقاربة أنثروبولوجية لمفهوم البناء الاجتماعي عند أحمد أبو زيد

خلاصة

لقد اقتضى البحث في مفهوم البناء الاجتماعي ضرورة التقصي لفهم الكيفية التي تناول فيها رواد الأنثروبولوجيا البريطانية رادكليف براون ومالينوفسكي وإيفانز بريتشارد هذا المفهوم في دراساتهم لبعض المجتمعات البدائية وبالتالي الدور الأ نثروبولوجي للباحث أحمد أبو زيد في إعادة صياغة هذا المفهوم بما يتسق والتركيب البنائي للمجتمع العربي, إذ لم يمنعه تتلمذه على يدي كل من براون وبريتشارد من الخروج كثيرا أو قليلا عن تعاليمهما المنهجية بإيجاد مفاهيم ومضامين جديدة لهذا المفهوم تتوافق والمكونات الاجتماعية والعقائدية والفكرية والجغرافية للمجتمع العربي. من هنا استندت هذه الدراسة في أهميتها إلى المرتكزات الآتية: -1- ندرة الدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت بالبحث معنى مفهوم البناء الاجتماعي عربيا الأمر الذي استدعى إعادة دراسة النتاج الفكري / الأنثروبولوجي لهذا الباحث وما قدم بهذا المنحى من تحليلات وتفسيرات المضامين هذا المفهوم، بهدف توضيح المعاني التي قالها في العناصر البنائية الأساس المكون منها، لأن مهمة الأنثروبولوجيا تكمن في وضع المعاني للظواهر الاجتماعية ومن ثم تفسيرها في علاقاتها المتبادلة بما يحقق الاستقرار العام للمجتمع 2- افتقار المكتبة العربية لوجود دراسات أكاديمية حول فكر أحمد أبو زيد"، رغم ريادته في مجال علم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا بشكل خاص، رغم أنه يسجل له العديد من الإنجازات في مضمار التأليف وإعداد وتنفيذ الأبحاث الميدانية / الحقلية. هذه النتاجات والنشاطات العلمية المختلفة ساهمت ببروز "أبو زيد" على مسرح الحياة الفكرية العربية كشخصية أكاديمية لها حضورها وخاصة في إطار الدراسات الأنثروبولوجية التي كشفت عن تفرده في مضمار دراسة البنى الاجتماعية التقليدية. 3- محاولة تقديم قراءة انثروبولوجية تحليلية ل مفهوم البناء الاجتماعي عند "أبو زید تمهيداً لتفسير مضامينه ووضع المعاني الفكرية له فضلا عن ضرورة الخوض بأعماق هذا المجال لمعرفة الإضافات التي قدمها في نطاق الدراسات الا نثروبولوجية الاجتماعية والتي تفرد بها عن غيره من باحتي الأنثروبولوجيا الأوائل لأن مهمة العلم الأنثروبولوجي لا تكمن في وضع المعاني للظواهر البنائية, وما يتأتى عنها من مفاهيم ومقولات ومصطلحات ... إلخ للإفادة منها فحسب، بل والبناء عليها والإسهام في تطويرها أيضا الأمر الذي سيساعد على بلورة اتجاهات نظرية وفكرية أكثر اقترابا وتوجها لدراسة المجتمعات، لأن أي نظرية لن يكتب لها أن يتشكل بنيانها الفكري إلا بالتراكم النوعي والإفادة من الآراء السابقة المقدمة في هذا السياق، وذلك ضمانا لتحقيق الإضافات الفكرية إليها. 4- الاستفادة من هذه الدراسة مستقبلا " في متابعة البحث في مكونات البناء الا جتماعي العربي في أبعاده المحلية والوطنية والقومية، وذلك انطلاقا من دراسة الواقع العربي باعتماد مناهج علمية صحيحة أرسى قواعدها هذا المفكر العربي وصولا إلى التحليل العلمي لواقع هذا البناء الاجتماعي وتفسيره تفسيراً علمياً بهدف الكشف عما لحق ويلحق به من تبدلات وتحولات اجتماعية متتالية ومتلا حقة. لهذا كان الأمل نصب الأعين في إعداد هذه الدراسة, لتبين مساهمات "أبو زيد" الفكرية في التأسيس الأنثروبولوجيا متخصصة في شؤون وقضايا وهموم وتحديات ومستقبل الوطن العربي من خلال معرفة أوجه العلاقة بين مكونات البناء الا جتماعي وآليات الاعتماد الوظيفي بينها والتي تكرس استقرار المجتمع ودوام استمراره إذن يتمحور هدف هذه الدراسة في التدليل على التفرد المنهجي والفكري لـ "أبو زيد" في هذا المنحى، اعتماداً على ما أتى به من جديد في دراساته الحقلية ما جعله يعيد النظر في الكثير من المضامين الفكرية التي قدمها علماء الأنتروبولوجيا قبله وأهمها : -1- كشف عن وجود مفهوم أنساق الضبط الاجتماعي كمكون بنيوي رئيس في المجتمعات التقليدية، ودوره في توطيد الأمن والنظام في ظل غياب السلطات السياسية المركزية فيها.-2- أعطى مفهوم النسق الإيكولوجي) أهميته المنهجية انطلاقا من جدلية تأثير البيئة الجغرافية في حياة الناس الأمر الذي أغفلت بعض جوانبه الأنثروبولوجيا الغربية, لا ن آثار النسق الأيكولوجي تظهر في المجتمعات الأقل نموا. -3- أعطى أهمية متميزة لمفهوم النسق الاقتصادي كنظام قائم بحد ذاته وهذا ما أغفله بعض علماء الأنثروبولوجيا الغربيين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة | الأمريكية. -4- تأكيده على كلية نسق القرابة، بحيث تفادى النقص الذي وقعت فيه الأنثروبولوجيا البريطانية والفرنسية اللتان أهملتا وازع الوحدة في عصبية القربي وركزت على وازع الانقسام فيها. -5- ويعد كتاب البناء الاجتماعي، بجزأيه المفهومات والأنساق)، أحد أهم إنجازات "أبو زيد النظرية وفيه قدم حلا - منهجيا لمشكلة الالتباس الذي وقعت فيه الا نثروبولوجيا الغربية في إيجاد تصنيف جديد لمكونات البناء الاجتماعي، وبخاصة منها المجتمعات المصنفة بأنها مجتمعات انقسامية / التحامية) يتمثل بـ الأنساق و النظم التي تتكون منها والعناصر التي تشكل هذه النظم). دلل على الدور المهم ل نظام طبقات العمر) الذي يعبر عن التفاوت في السن وهذه إحدى الإضافات المنهجية التي قدمها في إطار تصنيفات بريتشارد، إذ عمل "أبو زيد" على تفسير هذا النظام في إطار تحليله لبنية نظام القربى للمجتمع العربي ليكشف عن الدور الاجتماعي الذي يلعبه عامل السن في ضبط وتنظيم هذه ا المجتمعات الانقسامية. -7- كشف عن وجود مكون بنائي اجتماعي آخر أغفلت وجوده المدرسة الأنثروبولوجية البريطانية لا يمكن للبناء الاجتماعي أن يستقيم بدونه ونعني به هنا النسق المعرفي الذي يتضمن دراسة (اللغة وأهميتها في تكوين وتنشئة الشخصية الا جتماعية، وفي تحقيق آليات التواصل مع الآخر ومن ثم ليتضح دورها الجوهري في ضمان استقرار البناء الاجتماعي" أما في الإطار المنهجي الحقلي فقد تجاوز فيه أبو زيد مبدأ الباحث الأوحد) أو مشروع الرجل الواحد في إطار البحث الأنثرو / اجتماعي الذي وضع أسسه العالم مالينوفسكي إلى مشروع أكثر اتساعاً يتطلع إلى استخدام الفريق البحثي المتكامل باستخدام دليل العمل الميداني، وهو الأول من نوعه في مجال الدراسات الا نثروبولوجية الاجتماعية الحقلية. 9- أعطى أهمية بالغة لدراسة البعد التاريخي لمجتمع البحث والجماعات القبلية التي كانت تعيش فيه، في حين أن الدراسات الأنثروبولوجية البنائية التقليدية لم تكن تمنح كثيراً من الاهتمام التاريخ المجتمعات المدروسة وهذا يعود إلى إدراكه بأن المجتمعات العربية ترتكز في وجودها التاريخي إلى حضارة وترات ثقافي عريقين يمتدان إلى آلاف السنين، وأيضا فهمه بأن الحاضر لا يؤخذ إلا في حالة وجوده في الماضي وحتى المستقبل. ويمكن الاستنتاج مما تقدم، بأنه رغم ما قدمه أبو زيد للأنثروبولوجيا الاجتماعية ودراساتها الحقلية / التطبيقية من إضافات في المنهج وآليات البحث الحقلي، فإنه - من وجهة نظر الباحثة - أغفل في هذا المنحى بعض المسائل البنيوية الأخرى كالتعمق بدراسة النسق الثقافي بحيث لم يتسن له أن يقف منه الوقفة التحليلية المطلوبة. بينما كان من المفترض الالتزام بالمعطيات المنهجية عند قيامه بتحليل هذا المفهوم في المجتمعات التي درسها. فالثقافة - كما يقول عنها العلم الأنثروبولوجي ومنها الأنثروبولوجيا الثقافية و الشخصية تمثل المكون الأساس لشخصية الأفراد والجماعات مهما تباينت مجتمعاتها لأن الثقافة في أحد جوانبها المهمة تشتمل على العادات والتقاليد والأعراف والقيم المادية والروحية. وليس لمجتمع إنساني أن يستقيم وجوده إلا بحضور هذا الجانب من حياة البشر وهنا لابد من طرح هذا التساؤل الموضوعي كيف يمكن تجنب النسق الديني أو حتى غض النظر عنه أثناء القيام بدراسة أنثروبولوجية حقلية المجتمع ما ؟ لطالما يشكل هذا النسق - في أحد أبعاده أيضا - أحد مكونات النسق الثقافي بعنايهالقيمية والأخلاقية لهذا فهو لابد أن يشكل بالنتيجة جزءاً من الثقافة العامة للمجتمع. والثقافة الشفاهية على وجه الخصوص ما يعني بالتالي - بالنسبة للباحثة بأن إغفال النسق الثقافي سيترك لدى الآخر تساؤلا منطقياً عن الأسباب التي كانت وراء إغفال "أبو زيد" لهذا المكون البناني المهم لا يمكن تجاهل مدلولاته البنانية في علاقاته الوظيفية المتبادلة مع غيره من المكونات البنائية الأخرى إذ إن إغفال الخوض في دراسة هذا المكون البنائي يعني بالضرورة إسقاط الكثير من الحقائق الاجتماعية الموجودة في المجتمع المدروس. أخيرا وليس آخرا يمكن القول: إن جملة النتائج التي توصلت إليها الدراسة من خ لال هذه القراءة التحليلية المتأنية لمفهوم البناء الاجتماعي عند أحمد أبو زيد" خلصت إلى نتيجة أساسية مفادها بأنه تم الكشف عن إسهامات فكرية / منهجية جليلة شكلت بمجملها ما اصطلح على تسميتها الإضافات الفكرية في مجال العلم الأنتروبولوجي تجاوز فيها "أبو زيد الحدود التقليدية للمدرسة الأنثروبولوجية البريطانية التي نهل من معينها الفكري بتتلمذه على أيدي أعظم روادها براون و بریتشارد). إذ يؤمل أن يشكل هذا النتاج الفكري الثر ل أحمد أبو زيد" عونا للدراسات الحقلية الموجهة إلى المجتمعات العربية من أجل الظفر بنتائج وآراء أكثر اقترابا وتشخيصاً لواقع البناء الاجتماعي العربي والقول السليم في بعض ظواهره وحوادثه الا جتماعية المختلفة. ولعل هذا جل ما صبت إليه هذه الدراسة النقدية التحليلية المتواضعة لمفهوم البناء الاجتماعي عند رائد الأنثروبولوجيا العربية (أحمد أبو زيد).

الوصف

أطروحة دكتوراه

اقتباس

خرما ،ايفا.(2011).مقاربة أنثروبولوجية لمفهوم البناء الاجتماعي عند أحمد أبو زيد.اطروحة دكتوراه.جامعة دمشق ،دمشق

تأييد

مراجعة

مدعوم بواسطة

مشار إليه بواسطة